الشيخ محمد الصادقي الطهراني
172
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فَاتَّقُونِ . فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ . فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ » ( 23 : ) 57 ) . إن الشرعة هي الطريقة الواضحة البينة حيث توصل متشرعها إلى غايته القصوى وهي دين اللَّه وأمره ، أمره والائتمار به ، وكما الدين هو للَّه ومن اللَّه كذلك المشرع الشرعة إليه هو اللَّه ، وكما اختلاف العبادات أم ماذا صوريا في شرعة واحدة ينحو منحى هذه الشرعة ، كذلك الاختلاف بين شرعة وأخرى لا ينحو إلّا منحى دين واحد هو الأمّ للشرائع كلها ، فمهما اختلفت الصور ضرورة أو ابتلاء فالجذور واحدة هي الطاعة لأمر اللَّه . وترى من هم المخاطبون في « شَرَعَ لَكُمْ » أهم الحاضرون زمن الوحي ؟ وهم شرذمة قليلة من المكلفين طوال الزمن ! وليست الشرعة منهم إلى سواهم ! فإنما هي للعالمين ، إذا ف « كم » هم أم القرى ومن حولها دون اختصاص بالحاضرين ، وإنما الخطاب صادر من مصدر رب العالمين ، فوارد - كقضية حقيقية - مورد العالمين أجمعين ، ضاربا إلى اعماق الزمان والمكان أيا كان منذ بزوغه إلى يوم الدين . ثم ولماذا « شرع » المفرد الغائب - للَّه - و « لكم » الحاضر للعالمين ؟ علّه لان وحي الشرع غائب عن العالمين ، وأما العالمون فعليهم الحضور علميا وعقائديا وأخلاقيا وتطبيقيا للوحي الشرع ، فهو غائب الصدور وحاضر الورود ، ثم ولأن في خطابهم دون الآخرين تشريفا للأمة المحمدية على الأمم بما أن شرعتهم برسولهم أشرف من سواها وسواه . وإذ توحي غيبة الفعل « شرع » بغياب الوحي ، فهل توحي « وَصَّى بِهِ نُوحاً » أن وحي الشرعة إلى نوح كان وحيا غائبا عنه ؟ فكيف إذا هو نبي ! . إن الغيبة هنا غير الغيبة هناك ، ففي « شَرَعَ لَكُمْ » غيبة الوحي حقيقة إذ لم يوح القرآن إلى العالمين دونما وسيط ، وأما في « ما وَصَّى بِهِ نُوحاً » فوحي حاضر إلى قلب نوح عليه السلام ولكنه لبساطته أمام سائر الوحي إلى الأربعة الآخرين ، وعلوّه لهم دونه ، كأنه من غائب الوحي ،